بيانات | حول المشروع التمهيدي لتعديل الدستور

بسم الله الرحمن الرحيم

حول المشروع التمهيدي لتعديل الدستور

إنّ المحطات المفصلية في حياة الشعوب والدول والأمم تستدعي التعامل بجدّية وحكمة وحزم واحتراز، وإنّ محطة كالتي تمر بها الجزائر اليوم لهي جديرة بأقصى درجات هذه الشروط مجتمعة، ذلك أنها تعاني من تصدع في تماسكها الاجتماعي وتضعضع على مستوى انسجامها السياسي وهشاشة على مستوى الشرعية السياسية للسلطة الحاكمة. 

إن وضعا كهذا إما أن يكون مقدمة لوضع أسس التعايش السلمي في ظل العدل والتنمية والحرية، أو يكون مقدمة لصراع يطيل عمر الاستبداد والتخلف والتبعية، فهو الأول إن اخترنا مبدأ التشاركية في كنف الشفافية المطلقة، وهو الثاني ان استفرد القويّ بالقرار وآثر العمل في العتمة.

ولقد مرت الجزائر بفترة انفتاح سياسي في أواخر الثمانينات أفضت إلى صياغة دستور سنة 1989 الذي عدّل سنة 1996 من قبل المتغلِّب بدل أن تشارك في تعديله جميع القوى السياسية الفاعلة التي رسمت المشهد السياسي التعدّدي الأول في البلاد، فكان دستورا ناقصا لا يعكس حقيقة التوازنات السياسية والاجتماعية التي رسمت ملامح المشهد السياسي آنذاك. 

وها هي الجزائر اليوم بعد حراك 22 فبراير تكشف عن تنوع اجتماعي وسياسي جديدين وجب أن يؤخذا بعين الاعتبار في صياغة الدستور الجديد، وإننا إن لم نعتبر من أخطاء الماضي، وإن لم نستفد من التجارب الدستورية للشعوب والدول والأمم التي نجحت في تحقيق الاستقرار في ظل التنوع، فسنجد أنفسنا في القريب العاجل أمام أزمات مستنسخة عن أزمات الماضي، بل إنّها قد تكون أكثر ضراوة، وأعمق تأثيرا، وأكثر تفكيكا للحمة الاجتماعية، وأكثر تهديدا للوحدة الوطنية؛ إن على المستوى الاجتماعي أو -لا قدر الله- على المستوى الجغرافي.

بيد أن ما نراه اليوم بعد أن أفرج عن “المشروع التمهيدي لتعديل الدستور” سواء في المسار المفضي إلى صياغته، أو في شكله، أو في مضمونه، إنما يدل على أن السلطة انتهجت النهج الخطأ واتخذت غير سبيل الرشد، وليست الملامح الأولى للرفض الشعبي لهذه المسودة إلا نتيجة منطقية لمسار أعرج نبّهت حركة عزم على عرجه قبل حتى أن ترسمه السلطة.

لقد بادرت حركة عزم في 28 ديسمبر 2019 إلى طرح أرضية للإصلاح السياسي والدستوري حدّدت من خلالها أهم المعالم التي من شأنها أن تحقّق الأهداف التي من أجلها خرج الشعب الجزائري في حراك 22 فبراير 2019، والتي من أجلها اعتبرت الحركة أنّ الانتخابات الرئاسية كانت خيارا استراتيجيا لابد من المرور عبره لبناء دولة العدل والقانون. 

لقد بني المسار المقترح من عزم في الأرضية المذكورة على شرط الشفافية التامّة في كل خطواته وباشتراط إشراك ممثلي الشعب الجزائري بكل مكوناته وتنوعاته فيه، إذ يتعلق الأمر بوثيقة حيويّة جدا بالنسبة لمستقبل الشعب والدولة الجزائريين لا يمكن أن تُمّس أو تعدّل إلا في كنف الشفافية المطلقة، وهو ما يغيب عن المسار الذي اعتمدته السلطة إلى غاية اليوم والذي يطغى عليه الغموض والإبهام في كثير من تفاصيله ومخرجاته. 

إننا من هذه المنطلقات نتساءل اليوم:

1- كيف للسلطة التي ألحت في أكثر من مرة على ضرورة إشراك الشعب في كل مراحل التعديل ألا تنشر نسخة رقمية لمسودة الدستور توجه لعموم الشعب الجزائري وتسهل عليه الاطلاع عليها؟

2- لقد جاء في “عرض الأسباب” في “المشروع التمهيدي لتعديل الدستور” أنّ الدستور صيغ باللغتين العربية والفرنسية، ونحن نتساءل هنا: لماذا يصاغ دستور الدولة الجزائرية باللغة الفرنسية!

3- كيف أمكن للجنة الصياغة التغاضي عن خطوة شرح المسودة للشعب من خلال برامج سمعية بصرية على القناة العمومية على الأقل! وهي خطوة لا يختلف حول كونها مهمة جدا لتحقيق الفهم الصحيح لمضمون المقترحات.

4- إن كان الغرض من اعتماد هذا المسار هو ربح الوقت كما أعلنت رئاسة الجمهورية أكثر من مرة، فإن ذلك لم يحصل وشهدنا تأخيرا وتأجيلًا لصدور المسودة أكثر من مرة بدون أي شرح أو تبرير أو تفسير. وبالموازاة، فإن هذا المسار ضيق واسعا وحصر النقاش في محاور دون غيرها، بينما كان من الممكن -في المدة نفسها- انتهاج مسار أكثر ديمقراطية يوسع دائرة الاقتراح وفق صيغة مشابهة لما اقترحته عزم في الأرضية المشار إليها. 

5- هل ستعين السلطة لجنة صياغة جديدة أم أنها ستكتفي باللجنة الحالية؟ علما أن هناك انشقاقات حدثت داخل اللجنة الحالية وهو ما يمكن أن يؤثر على السير الحسن لعملها.

6- أليست هذه اللجنة بالأساس محدودة من حيث التشكيلة ومن حيث الكفاءة؟

7- من هي الأطراف التي وجّهت لها السلطة الدعوة للمشاركة في مناقشة المسودة؟ وما هي المعايير التي استندت إليها في اختيار جهة واستبعاد أخرى؟ وفي هذه الجزئية تحديدا، فإنّ شرط الشفافية يلزم رئاسة الجمهورية بالإعلان عن كل الأطراف الذين أرسلت إليهم المسودة بطريقة رسمية. 

8- كيف ستدرس المقترحات التي ستفرزها المناقشات؟

9- ما هي المهلة الممنوحة لتقديم الانتقادات والاقتراحات؟ 

10- كيف سيتم تبني، ومن سيتبنى، مقترحات دون غيرها؟

11- ما الذي ستفرزه المناقشات والمقترحات المرسلة؟ مسودة أخرى تناقش أو مشروع دستور؟

12- إن كان الثاني، فمن سيناقشه؟ ومن سيصادق عليه؟ باعتبار أنّ البرلمان الحالي فاقد للشرعية وأنه من مخلفات نظام العصابة فهو غير مستأمن على مناقشة دستور الجزائر الجديدة أو المصادقة عليه.

13- أخيرا وليس آخرا، ما هو دور الحركات السياسية الناشئة عن الحراك في صياغة الدستور المرتقب؟

إن بقاء هذه الأسئلة دون إجابات واضحة ودون توضيحات كافية يفضي لا محالة إلى التشكيك في المسار الذي اقترحته السلطة ويعيد إلى الأذهان الأساليب البالية المنتهجة سابقا في التعامل مع الدستور بشكل خاص ومع الشأن الساسي بشكل عام، ورغم أننا في حركة عزم نرى أنّ مضمون المسودة لا يرقى إلى درجة أن يناقش بالنظر إلى ما حمله من تناقضات ومضامين غير بريئة، إلا أننا – التزاما بالواجب الأخلاقي والوطني- سنعمل على نقد ما جاء به تحذيرا منه ومن آثاره السلبية على المجتمع والدولة في الحاضر والمستقبل، خاصة وأن بعض المقترحات تؤسّس لردّة حضارية متكاملة الأركان في انقلاب واضح على بيان الفاتح من نوفمبر وضرب لدين الشعب ولغته وهويته في الصميم مع ما تنطوي عليه من تعارض صريح مع المادة الثانية من الدستور. وليس من داع للتذكير بأن توجّها كهذا سيلاقي الرفض والاعتراض المؤكد اليوم والغد وإلى الأبد.
ـــــــ
الأمانة الوطنية المؤقتة 
الجزائر في: 12 ماي 2020م
الموافق لـ: 19 رمضان 1441هـ.