بيانات | دراسة نقدية لمسودة التعديل الدستوري لعام 2020


بسم الله الرحمن الرحيم

دراسة نقدية لمسودة التعديل الدستوري لعام 2020

لقد انتهجت حركة عزم منذ تأسيسها منهجا واضحا في التعامل مع الشأن السياسي يرتكز أساسا على الاحتكام إلى القانون والدستور، ليس لكونها تعتقد بسلامة الدستور الجزائري من الشوائب والنقائص، بل لأنها رأت في مرحلة مضت أن الحل الدستوري هو الحل الأكثر أمانا الذي يجنب البلاد ما هو أخزى من الأزمة التي كانت تتخبط فيها والتي أدت إليها ممارسات سياسية مِيزتُها تغييب الإرادة الشعبية ورهن السيادة الوطنية وأسبابها الاستبداد والاستكانة للوصاية الخارجية.

بناء على هذا التوجه تبنت الحركة خيار الذهاب إلى انتخابات رئاسية تبعا لما جاءت به ورقة الطريق التي قدمتها مرفقة مع بيانها التأسيسي يوم 16 مارس 2019، واعتبرنا في حركة عزم أن الانتخابات الرئاسية إنما تعطي الشرعية للتغيير لا لشخص الحاكم ولا للمؤسسات الموجودة، ورأينا أن التغيير إنما يضبطه ميثاق شرف سياسي يكون حَكَما على التفاعلات السياسية في الداخل، ويجسده عقد سياسي واجتماعي جديد يؤسس لشرعية جديدة تعلن أفول زمن الشرعية الثورية وتكون بديلا لها.

وإن حركة عزم تنطلق في تصورها للتغيير من فكرتي السيادة والشرعية بالذات وترى أنهما غابتا عن روح المسودة المقترحة، وأنهما إنما تتجسدان في دستور “عقد” لا دستور “منحة”، دستور تشاركي يُتحرى النهج الديمقراطي في إعداده وإقراره على حد سواء، وتمارس فيه السلطة التأسيسية حقها كاملا غير منقوص، وتعبر من خلاله عن نفسها بمنتهى الحرية باعتبارها الإرادة العليا في المجتمع، بحيث تضع أسس بناء نموذج حكم يسوده الاستقرار ويجنب الدولة الوقوع في الفوضى، نموذج تتجسد فيه قيم ومبادئ وثوابت الشعب الجزائري التي بذل في سبيل الحفاظ عليها الغالي والنفيس ومازال مستعدا للدفاع عنها حتى آخر رمق.

إنّ المتفحّص للـموادّ القانونيّة المقترحة الّتي جاءت في “المشروع التمهيدي لتعديل الدستور”، يخرج بما لا يدع مجالا للشّك، بحكم عامّ ومهمّ، هو وجود تناقض صارخ بين ما جاء في عرض الأسباب ورسالة التّكليف من جهة، وطموحات وآمال الشّعب الجزائري في وضع لبنة جزائر جديدة أساسها “دولة القانون والمؤسّسات” من جهة أخرى. وعلاوة على كون المسوّدة لم تضع أسسا للانتقال الدّيمقراطيّ الموعود، أو كما يصفها رئيس الجمهورية بـ”الجمهورية الجديدة”، فإنها صيغت بأسلوب يغلب عليه الإبهام وحملت في بعض طياتها خطرا حقيقيّا على “استقرار الوطن والأجيال القادمة” إذا ما مرّرت هكذا، وذلك لظهور قصور واضح وثغرات وتناقضات من وجوه عدّة نوجزها في العناصر الآتية: 

ملاحظات عامة بخصوص “المشروع التمهيدي لتعديل الدستور”: 

– نشير عرضًا إلى النسخة الفرنسية في عرض الأسباب، وهنا نتساءل على أي أساس قانوني يتم استصدار الدّستور والنّصوص القانونيّة باللغة الفرنسية، فجُل البلدان ذات السيادة تصدر قوانينها بلغتها الرسمية، وتعطيها حجية القانونية دون اللغات الأخرى، هذه مسألة جوهرية في الجزائر سيما عندما يكون تناقض بين النسختين العربية والفرنسية ويتم الإحتكام إلى القضاء الدولي، وهذا وارد جدًا في ظل اتفاقيات الشراكة واستغلال الطاقة أو الاستثمارات الأجنبية.

– إعادة التقسيم العام والتسميات مؤشر لعدة أمور سلبية فهي عنوان لتوجه “وظيفي” للسلطات وليس توجه “مؤسساتي”. 
– محاولة تملُّص الدّولة من طابعها “الديمقراطي الاجتماعي”، فبعد ما كان يستوجب بموجب النّصوص الدستورية تشجيع وتوفير السكن والرعاية الصحية أصبحت الدولة مجرد ضامن لها فقط، و”الضامن” ليس مجبرا على تحقيق “الغاية/نتيجة” بل “مجرد إبدال عناية”.

– الصياغة الأصلية كانت تكثر من استخدام مصطلح “المواطن”، وهي الأصح لأنه عنوان “دستور المواطنة”، فالدستور في جوهره هو عقد اجتماعي ذو بعد سياسي جاء في شكل قالب قانوني، بيد أنه خطاب بين “الحاكم” والمحكومين” أيّ “السلطات و”المواطنين”، الآن هذه المسودة عدّلت هذا الخطاب في مواقع عدة لصالح مصطلح ” شخص”.

بخصوص الدّيباجـــــة:

معلوم بأن الديباجة لها قيمة قانونيّة في نصّ الدّستور، لذا فأيّ تعديل فيها يترتب عنه أثر قانونيّ بليغ الغور على النص الدستوري ككلّ، فهي تمثّل فلسفته وروحه ومن خلالها يمكن أن تستنبط المبادئ القانونيّة الاجتهاديّة، لذا دأب الفقه الدستوري المقارَن على أن يضع فيها أهمّ الأهمّ وبإيجاز ودون إطناب. وبالرغم من أن رسالة التّكليف الّتي حدّدت من خلالها الخطوط العريضة لعمل لجنة الصياغة لم تتضمن تكليفا بتعديل الديباجة، إلا أننا نجدها مست بها: 

1. كتابة إنشائية لفقرات جديدة لا تضيف شيئا ملموسا. فعلى سبيل المثال، ذكرت في الديباجة اتّفاقيّات دوليّة بتواريخها مع أنها ليست معاهدات مرجعية بالأساس وهي قابلة للتعديل أو الإلغاء حسب اتّفاق الأطراف. كما نلاحظ أن فقرات أخرى تضمنت محاولات لتغيير العقيدة الأمنيّة الجزائريّة. 

في هذا السياق فإننا في حركة عزم نتساءل عن سبب دسترة الحراك دون دسترة محطات تاريخية مفصلية أخرى في تاريخ الشعب الجزائري على غرار انتفاضة أكتوبر 1988 وتوقيف المسار الانتخابي سنة 1991، والأولى من كل هذا، لماذا لم يدستر تجريم الاستعمار؟ لقد كان حريا بلجنة الصياغة، ولتوسيع الكتلة الدّستورّية بشكل قانوني وعمليّ مدروس، وتماشيًّا مع مبدأي “الاختصاص” و”الأمن القانوني”، استخدام آلية “المواثيق المستفتى حولها” لإدراج أي مسألة مهمّة بالنسبة للأمّة. 

أهم الاختلالات في مضمون أبواب المسودة المقترحة:

المحور الأول: الباب الأوّل الموسوم بـ”المبادئ الّتي تحكم المجتمع الجزائري”

|.من حيث الشكل: 

– حذف -وبمبررات شكليّة- لفظ “الجزائري” من عنوان هذا الباب. 

– نقل الفصل الرابع والخامس إلى باب جديد مستقل، مع العلم أن الحقوق والحريات هي مواد معياريّة في النّص الدّستوري، فكان الأجدر تركها ضمن باب “المبادئ”. وعليه، فإن التقسيم الساري المفعول أصوب من الناحية المنطقية ومقتضيات الصياغة القانونية. 

– ترقيم فقرات جُل المواد ضمن هذه المسودة شوّه النّص القانوني، فالترقيم له منهجيته ومقتضياته وليس الترقيم لمجرد التّرقيم، والغرابة في الأمر أن هناك فقرات لموادّ رقّمت وهي مواد مهمّة معياريًا (يمكن أن تؤسّس عليها أحكام ومبادئ قانونية) ومع استثناء بعض المواد الأخرى الإجرائية على قلتها في فصول أخرى لم ترقم فقراتها ولم يمسها هذا التعديل التقني. 

||.في المضمون: 

أولاً: خطر التقسيم: المادتان 16 – 17 من المسودة لاشتراكهما في العلة

تقترح هذه المسودة تعديل المادة 16 من الدستور بإضافة فقرة جديدة تنص على: “يمكن القانون أن يخص بعض البلديّات بنظام خاصّ” (الأصح يمكن للقانون…)، وهذا يتنافى مع مبدأي العدل والمساواة بين المواطنين لأنّ “الاستثناء” يصنع “التمييز” ويمهّد بطريقة غير مباشرة للتقسيم والتحوّل إلى نظام الفدرلة، كما يفسح المجال للعمل بروح محلية (جهوية) لا وطنية أمر قد يفتح الباب لصراعات عنصرية.

والأخطر من ذلك، من وجهة نظرنا، أن المادة 17 (المستحدثة) بموجب المسودة الجديدة تنصّ صراحة على: “تقوم العلاقات بين الدولة والجماعات الإقليمية على مبادئ اللامركزية وعدم التركيز”. فبعدما كانت الجماعات الإقليمية وفقًا للأحكام التأسيسية السابقة جزءا من “الدّولة” بالمفهوم الدستوري المتعارف عليه للدّولة، فإنّ المراد بمقتضى هذا المقترح أن تكون “الدّولة” طرفًا و”الجماعات الإقليمية” طرفًا آخر يوازيه، وهذا لا يحصل إلا في الأنظمة الفيدرالية بالدرجة الأولى.

يجب أن ننوه أيضا بأن هذه المادّة جاءت في الفصل الأول المعنون بـ”الدولة”، أي الفصل الذي يحدّد شكل الدولة، أمر يشرعن التخوّفات السابقة من خطر السير نحو وضع أسس دستورية ومسوغات قانونية للتقسيم والفدرلة. ونحن نتساءل هنا عن سبب إدراجها في هذا الفصل تحديدا! ما الهدف من إضافة هذه الأحكام؟ هل طالب الشعب الجزائري في حراكه بهذا؟ 

ثانيا: معضلة استغلال الطاقات الأحفورية (الغاز الصخري)/ المادة 20 من المسودة ( 19 سابقًا).

كانت المادة 19 تنصّ صراحة على أن الدولة تضمن الاستعمال الرّشيد للموارد الطبيعية والحفاظ عليها لصالح “الأجيال القادمة”. وفي ظل التعديل الجديد، حذفت عبارة “لصالح الأجيال القادمة” وعدلت المادة ككل، وتم التنصيص صراحة بمقتضى الفقرة 3 من المادة 20 من المسودة على: “الاستعمال العقلاني ]…[ وللطاقات الأحفورية والموارد الطبيعية الأخرى”. إننا نتساءل هنا عمن يعطي العقلانية دلالتها ومن يحددها؟ ولماذا التنصيص في الدستور على استغلال الطاقات الأحفورية التي هي أصلا مستغلة (البترول، الغاز…).

إن هذا يحيلنا إلى الغاز والنفط الصخريين باعتبارهما الطاقتين الأحفوريتين الوحيدتين غير المستغلتين حاليا في الجزائر، والمعروف بأن استغلالهما مازال مدار جدل ونقاش كبيرين بسبب تبعاته البيئية. فمن وراء طرح هذا الاقتراح؟ وإلى متى ستظل الجزائر رهينة للنموذج الاقتصادي الريعي؟ ومن سيضمن حقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وصحية على الأقل؟

ثالثا: “تنظيم سلطات الحرب-تغيير العقيدة الأمنية-العسكرية للجيش الجزائري”/ المادة 31 من المسودة (29 سابقا) وفقرات من الديباجة.

جاءت الأحكام المقترحة في المادتين المذكورتين -وفي فقرات من ديباجة الدّستور- متزامنة ومتطابقة بشكل غريب لتؤسّس لتغيير العقيدة الأمنية الجزائرية إلى “عقيدة تدخليّة” في إطار عمليات حفظ السلام تحت مظلة منظمات إقليمية أو عالمية بعدما كانت “عقيدة دفاعية” قوامها العمل على تحقيق السلم والأمن الدوليين بالأدوات السلمية والديبلوماسية وتكرس مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

إننا هنا نشير إلى أن الدفاع المتقدم لحماية الأمن الوطني، والذي قد يستدعي التدخل العسكري خارج الحدود الجغرافية للدولة، لا يحتاج إلى التنصيص عليه في الدستور لأنه يتعلق في الأصل باستراتيجية الأمن الوطني، ومعروف بأنّ العقائد الأمنية والدفاعية للدول تتغير بتغير استراتيجياتها للأمن الوطني دون الحاجة إلى تغيير دساتيرها، كما أن التنصيص على هذا الأمر في الدستور سيضع قواتنا المسلحة أمام خطر التبعية للقوى الكبرى كما قد يستخدم مطية من الأخيرة للزج بالجزائر في مسائل أمنية ونزاعات لا تعنيها. 

إنّ ما تضمنه النّص الدستوري الحالي، والذي يبيح الدّور الدفاعي المشروع والتدخل وفق مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة صراحةً، يدفعنا إلى التساؤل عن الدافع لهذا المقترح المريب! 
ـــــــ


المحور الثاني: الحقوق الأساسية والحريات

|.من حيث الشكل

1. أضيف عنوان إلى هذا الفصل الذي رقيّ إلى باب “الحقوق الأساسية والحريات”، وهنا نرى أن هذه إضافة غير لازمة، إذ يمكن -وبمفهوم المخالفة- الإقرار بأن هناك حقوقا غير أساسية أو ثانوية، وهل “الحقوق الأساسية” هنا هي الحقوق “النواة” أو “الصلبة” المتعارف عليها في اتفاقيات حقوق الإنسان؟ إن هذا الأسلوب في الصياغة يتناقض مع فلسفة كاتب المسودة في حد ذاتها والتي تربط النّص الدستوري بقانون حقوق الانسان الاتفاقي بدرجة كبيرة من خلال التنصيص على اتفاقيات حقوق الإنسان ودمجها في ديباجة الدستور.

2. تضخيم وتمييع المنظومة الدستورية الحقوقية: يُلاحظ ارتفاع وتضخيم في عديد من الحقوق والحريات التي ارتفعت إلى مصف الحقوق والحريات الدستورية، بعدما كانت منصوصا عليها في نصوص عضوية أو عادية مع أنها مغيبة في الواقع.

||.في المضمون: 

أولا: الحق في الحياة وهاجس إلغاء عقوبة الإعدام ( المادة 38) المستحدثة

تنص المادة الجديدة على: “الحق في الحياة لصيق بالإنسان، يحميه القانون، ولا يمكن حرمان أحد منه تعسفيًا”. يجدر التذكير بأن هناك في العالم 24 دولة أقرّت هذا الحق في دساتيرها، الغالبية منها ربطت “دسترة” هذا الحق بمسألة “تنفيذ عقوبة الإعدام”، أي أن الهدف كان إضفاء التوجه العالمي نحو إلغاء عقوبة الإعدام أو تقييدها على هذه الدساتير، لذا نرى هنا وجوب توضيح المقصود بــ”تعسفيًا”، لأن ذلك سيحيلنا ضمنيًا إلى “إلغاء عقوبة الإعدام” رضوخًا للمنظمات الدولية التي تطالب بإلغاء هذه العقوبة وعدم تنفيذ القصاص.

ثانيًا: حماية دور العبادة وحيادها وحرية ممارسة العبادات: المادة 51 من المسودة (42 سابقًا) 

جاءت المادة 51 من المسودة لترتقي بأحكام تشريعية إلى مصاف النّص الدّستوري والسؤال هنا: ما الهدف من ذلك؟ وما المقصود بعبارة “حياد” دور العبادة؟ ولماذا التنصيص على حرية ممارسة العبادات؟ هل يتجه الدستور إلى الإقرار بلائكية الدولة في تناقض صريح مع المادة الثانية من الدستور “الإسلام دين الدّولة”؟ كما أن نص هذه المادة يناقض أيضا خصوصية الشعب الجزائري الذي تدين غالبيته الساحقة بدين الإسلام. وعليه، فإنّ حرية ممارسة العبادات يجب أن تقيد بنص المادة الثانية من الدستور وبما لا يمس بدين الأغلبية، مع العلم أيضا أنّ فتح الحرية لممارسة العبادات دون تقنين واضح قد يحفز صراعات طائفية في الجزائر وقد تستخدم مطية لاختراقها أمنيا من قبل دول توظف الأديان والمذاهب والطوائف لأغراض سياسية.

ثالثًا :حرية إنشاء أحزاب سياسية: المادة 57 من المسودة (52 سابقًا)

تضمنت هذه المادة تعديلا شكليًا لا يرتقي إلى تطلعات تغيير المشهد السياسي في جزائر ما بعد 22 فيفري 2019، والتساؤل المطروح هنا هو: لماذا التسهيل وإعطاء الحقّ لإنشاء الجمعيات بمجرد “التصريح” في حين يحتفظ بالقيود على إنشاء “الأحزاب السياسية” التي هي في الأصل عبارة عن جمعيات تنشط في المجال السياسي!

رابعًا: نزع الملكية للمنفعة العامة: المادة 60 من المسودة (64 سابقًا)

في هذا الصدد فإننا نقترح الرجوع إلى النص الأصلي قبل تعديل 2016، أي التنصيص على: “ألا تنزع الملكية إلا في إطار القانون، وبتعويض قبلي، منصف وعادل”.

خامسًا: فيما يخص مبادئ وضوابط السوق (الضبط الاقتصادي): المادة 61 (43 سابقًا) والمادة 63 ( 43 سابقًا).

يلاحظ من استقراء منطوق المادتين: 

– حذف مبدأ “منع الاحتكار” أي بمفهوم المخالفة السماح بالاحتكار!

– تحجيم حقوق المستهلكين بالتنصيص على الحقوق الاقتصادية فقط، على خلاف النص السابق الذي يترك المجال مفتوحا، فالمطلق يبقى على إطلاقه ما لم يقيّد.
إنّ الأولى هنا هو التنصيص صراحة على مبدأ منع الاحتكار على “حقوق المستهلك” دون تقييد. 

سادسًا: تولي المناصب والوظائف السامية: المادة 70 (المادة 63 سابقًا)

حُذف شرط عدم ازدواجية الجنسية في المسؤوليات والمناصب العليا في الدولة، وكان الأفضل التنصيص على آليات وضوابط حقيقية لتولي هذه المناصب للقضاء على المحسوبية والمحاباة في دواليب السلطة، فالمشكل الأكبر في الإدارة الجزائرية ليس الجنسية بقدر ما هي المحاباة والمحسوبية والجهوية المقيتة، فإن كان المواطن البسيط يعاني للحصول على وظيفة أو عمل بسيط قار، فما بالك بمنصب سامٍ!

سابعًا: إلغاء دور”المجتمع” في مجال حماية الأسرة والطفل: المادة 74 (المادة 72 سابقًا)

بموجب المادة 74 من هذه المسودة تم حذف وإلغاء الإشارة إلى “الدور” المناط بالمجتمع لحماية الأسرة والطفل، والذي كان منصوصا عليه دستوريًا، في المادة 72 سابقًا, إننا نتساءل هنا ومرة أخرى عن السبب؟ لأن الأولى والأوجب بالنسبة لنا هو تحفيز وتشجيع دور مؤسسات المجتمع على حماية الأسرة والنشء.
ـــــــ


المحور الثالث: تنظيم وفصل السلطات

|.من حيث الشكل: 

يلاحظ إعادة تبويب فصول هذا المحور كما يلي:
– إضافة لفظ “فصل” في العنوان تأكيدًا لهذا المبدأ، ولكن عند الاطلاع على عناوين الفصول يُلاحظ، استحداث تقسيم جديد: 

– فصل رئيس الجمهورية. 
– فصل الحكومة. 
– فصل البرلمان.
– فصل العدالة.

يستقرأ من ذلك أن مركز رئيس الجمهورية مازال في أعلى قمة السلطات وأن قطاع العدالة هو أدناها، والمفارقة العجيبة الأخرى أن هذا التقسيم تخلى عن مصطلح “السلطات الثلاث: التنفيذية، التشريعية، القضائية” مع أنه الأنسب وما يجب أن يكون ولو نظريًا. يستنتج من هذا وجود نوع من التراجع على مبدأ الفصل بين السلطات والذي جاء عطفًا على تنظيم السلطات في عنوان الباب.

||. في المضمون:

أولا: رئيس الجمهورية /الحكومة /البرلمان

يٌلاحظ أنّ تعديلات طفيفة وشكلية لا ترتقي لمتطلبات بناء دولة القانون والمؤسّسات قد أدخلت على النصّ، ذلك أنّ:

– المسودة بدل أن تقيّد سلطات الرئيس دسترت صلاحيات أخرى له، سيما في مجال التعيينات في السلطات والهيئات المهمة، فكان الأجدر أن يتقاسمها مع السلطة التشريعية عن طريق إقرار آلية تشاركية.

– دسترة إمكانية تعيين رئيس الجمهورية لنائب له لاستكمال عهدته الرئاسية، وهذا الأمر منتقد من عدة أوجه منها: 

– أن نائب الرئيس في الأنظمة الدستورية العريقة التي أخذت به تشترط أن يكون “منتخبا” لا “معينا” وهو رئيس الغرفة العليا في النظام الرئاسي مثلاً؛

– كما أن هذا الاقتراح بشكله هذا، يتناقض مع التوجه نحو الدستورالية، لأن الهدف منه حسب ما يستخلص من موقعه في المواد التي عالجت دوره وظيفيًا (ضمن الأحكام المنظمة لشغور منصب رئيس الجمهورية المادة 98 – المادة 102 سابقًا) هو سدّ الطريق أمام أي انتخابات طارئة غير مدروسة مسبقًا من قبل أصحاب القرار.

أمّا بخصوص صلاحيات رئيس الحكومة فلم يتغير شىيء جوهري، بل مجرد تغيير للتسمية من “وزير أول” إلى “رئيس الحكومة”، ولازال النّص يقول “بعد استشارة…” فيما يخص تعيينه، كما أنّ أعضاء حكومته يعيّنهم الرئيس باقتراح منه، ولا يقتضي ذلك أي إلزام حقيقي. ومن ناحية المهمة السياسية، غٌيّر مصطلح “مخطط عمل الحكومة” بمصطلح “برنامج عمل الحكومة” السنوي فقط، وهو ما كان مستعملاً قبل 2008 في ظل حكم بوتفليقة، وإنّ واقع التجربة السابقة يخبرنا بالمآلات. 

كما أنّ إضافة آلية الاستجواب كآلية مضافة لإسقاط الحكومة، في ظل النصاب المطلوب الذي لم يتغير، سيبقيها آلية صورية لا طائل منها.

ثانيًا: العــــــــــدالة

هناك عدّة ملاحظات جوهرية تؤكد الاستمرارية في نهج تبعيتها وعدم استقلاليتها، منها:

– أغرب مادة قانونية متناقضة المادة 169 (156 سابقًا) التي جاء فيها: “القضاء مستقل، ويضمن رئيس الجمهورية هذه الاستقلالية”.. مستقلة عمن إذن؟ إذا كان رئيس الجمهورية هو الضامن وليس “النّص الدستوري التأسيسي”.

– تغيير تسمية “السلطة القضائية” (السلطة تساوي القوة) إلى مجرّد “العدالة” كمدخل وظيفي فقط هو دليل جدي آخر على إضعاف ممنهج ومتدرّج لهذا القطاع في أسمى نصّ قانوني في الدولة. 

– تطبيق المعاهدات مباشرة دون انتظار دمجها ضمن قوانين الجمهورية يرهن الأمن القانوني للدولة. 

– دسترة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وخضوعها لرئيس السلطة التنفيذية هو إضافة سلبية للغاية تكرس للتبعية.
إن الأجدر كان فتح نقاش جدي مع المختصين في سلك القضاء لتكريس استقلالية حقيقية للمجلس الأعلى للقضاء من خلال استبعاد السلطة التنفيذية وعلى رأسها رئيس الجمهورية كرئيس للمجلس وكذا قضاء الحقّ العام (النيابة-ومحافظي الدولة أو المحامي العام) إضافة إلى مراجعة مسألة سمو المعاهدات على قوانين الجمهورية.
ـــــــ


المحور الرابع: مؤسّسات الرقابة

||. في الموضوع: 

يستوجب تفعيل آليات الرقابة المؤسساتية ودمقرطتها بأن تكون هذه الهيئات إما مستقلة كليًا عن السلطات المنشئة أو المساهمة في إنشائها، وهذا مستبعد عمليًا في واقع الحال، لذا فإن الحل هو أن تكون طريقة تشكيلها عن طريق تشارك السلطات الثلاث مجتمعة وبالانتخاب الداخلي بين النظراء مع تحصين المهمّة الرقابية بعهدة واحدة طويلة غير قابلة للتجديد، أو بعهدة مدى الحياة، فضلا عن الحصانة القانونية والاجتماعية لأعضائها.

||.في المضمون: 

أولاً: المحكمة الدستورية المقترحة

يلاحظ بالنسبة لـ”المحكمة الدستورية” مجرّد تغيير للتسمية في ظل التوجه العام الذي ظهر مع التعديل الدستوري لعام 2016 نحو إعطاء صلاحيات قضائية لهذه الهيئة، إلا أنه يؤخذ عليها:

– بخصوص التشكيلة: النص القديم أفضل، فالمنتمون باسم السلطة التشريعية ينتخبون من قبل زملائهم ولا يعيّنون من قبل رئيسي الغرفتين كما جاء بموجب هذه المسودة، لأنّ الانتخاب عنوان الديمقراطية وأداتها، فالأفضل أن ينتخب هؤلاء الأعضاء على درجتين ليكون ولاؤهم للشعب بدل الولاء لمن عينهم.

– غموض في شرط المعدّل: إذ تـمّ الاستغناء عن شرط العلوم القانونية وتعويضه بدرجة بروفيسور لمدة 15 سنة فقط دون تحديد التخصص. 

– بخصوص الحصانة: إعطاء حصانة مبهمة لأعضائها، وفي ذلك تناقض صريح مع الحصانة التي تم تقييدها لأعضاء البرلمان.

– فيما يخص ضوابط عملها: استمرار إلزامها بـ”الإخطار المسبق”، وكذا تناقض في بعض أحكامها، فمن جهة لا تلزم المادة 198 خضوع المعاهدات للرقابة الدستورية المسبقة، ومن جهة أخرى تلزم بالاعتماد على المعاهدات المصادق عليها كمرجع عند فحص المشروعية (الدستورية)! وكأن المحكمة الدستورية أصبحت “محكمة لصالح القانون الدولي التعاهدي” وليست لصالح الدستور الجزائري! 

ثانيًا: مجلس المحاسبة

دُسترت طريقة تعيين رئيس مجلس المحاسبة لصالح رئيس الجمهورية (المادة 208 – 192 سابقًا) بدل آلية الانتخاب بين نظرائه وهذا مناقض لمقتضيات دولة القانون والمؤسسات التي يجب أن يكون أساسها الانتخاب بدل التعيين في المؤسسات الرقابية العليا للدولة.

ثالثًا: السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات

خطأ يستوجب تداركه، في المطة الثانية من المادة 214 من المسودة، إذ نصت: “يعين رئيس الجمهورية رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخاب” والأصح هو “يقلد”. 

المحور الخامس: الهيئات الاستشارية

جاء في عرض المادة 228 من المسودة: “يمكن للقانون أو التنظيم أن ينشىء هيئات استشارية”، وفي الوقت نفسه نجد دسترة هيئة جديدة سميت “أكاديمية جزائرية للعلوم والتكنولوجيا”، مع العلم أن الدستور الحالي ينص على شيء مطابق هو “مجلس وطني للبحث العلمي والتكنولوجيات” والذي يحذف بالرغم من النص حتى بعد إضافة الاقتراح الجديد!

ومما يثير الجدل أيضا وجود مجالس مهمة لم تدستر أو لم تعط قيمتها الدستورية الحقيقية على غرار “مجلس وطني و/أو أعلى للتربية والتعليم” يسهر على إبعاد الأجيال الناشئة عن التجاذبات الأيديولوجية ويكرس لمبدأ حيادية التعليم حقًا.

وبالرجوع إلى “الأكاديمية المقترحة” نرى أن استخدام مصطلح “أكاديمية” هنا بدل “المجمّع” -وهي الترجمة الأصح في نظرنا- يؤكد مرة أخرى بأنّ النّص الأصلي للمسودة كتب باللغة الفرنسية وترجم إلى اللغة العربية، ومن جهة أخرى، فإن هذا النّص لم يحدد صلاحيات هذه “الأكاديمية” ومهامها ولو بشكل عام كما هو متعارف عليه، ففيما ستستشار؟ 

المحور السادس: تعديل الدستور

ضمن أحكام التعديل الدستوري تقترح المسودة إدراج “تمازيغت” ضمن البنود الصماء كلغة وطنية ورسمية، والتي لا يمكن لأي تعديل دستوري أن يمسها، وهنا نطرح التساؤلات التالية: 

– ما هو الهدف الحقيقي من إدراج هذا البند في هذا الظرف بالذات والذي يتميز باستقطاب حاد على الساحة الوطنية؟

– ما المقصود بلغة “تمازيغت” التي تقترح المسودة إدراجها هنا، بدل مصطلح” اللغة الأمازيغية” (المادة الرابعة المطة 3) والتي استعملت سابقًا في مناقضة صريحة لواقع الحال، فإن وجد اختلاف وتضارب في عنوان “اللغة المعيارية” هل”تمازيغت” أو “أمازيغية” فكيف هو الحال بالنسبة للأمور والقضايا اللغوية الأخرى، على غرار اختيار مفردات المعجم المرجعي لها أو “الحرف” الذي تكتب به.

إن الاختلاف والتردد في مسمياتها لدليل واضح عن وجود تجاذبات سياسوية تغذي القضية، ونحن ننبه هنا، ومن زاوية قانونية حقوقية بحتة، أن توحيد اللهجات يتناقض مع حقوق الجيل الثالث من حقوق الإنسان فيما يخص حماية التراث اللامادي الشفوي، لأن هذا معناه القضاء على لهجات متعددة لصالح “لهجة واحدة مرجعية”، وعليه، فإن كل ما يتعلق بهذه المسألة يجب أن يؤجل إلى ما بعد فتح نقاش أكاديمي وطني بين أهل الاختصاص لفك هذه المعضلات اللسانية بشكل جدي وجريء بدون توجّس أو عصبية أو تطرف.

المحور السابع: الأحكام الانتقالية

يجب مراجعة الأحكام الانتقالية المذكورة لأنها تتحدث عن التعديل الدستوري لعام 2016، وهذا دليل آخر على ضعف محرر وكاتب هذه المسودة (انظر المواد من 235 إلى 239).

خلاصــــــــة:

– أن هذه المسودة، تؤسس لدّستور “لا حدث”، لأنه لا يتضمن نقاطاً جوهرية تؤسس أو تمس بتنظيم السلطات واستقلاليتها، أو مؤسسات رقابية حقيقية، بل حدث سلبيّ كرس التضخم في المنظومة الحقوقية، على الورق، بدون ضمانات حقيقية للتفعيل والفعالية. 

– نعيد التذكير أن المسودة المقترحة تتضمن أخطارًا حقيقية على استقرار الوطن، لذا يجب العمل والدفع نحو انتخابات تشريعية مسبقة قبل أي تعديل دستوري لكي يتسنى للبرلمان المنتخب فك هذه الألغام.
ـــــــ
الأمانة الوطنية المؤقتة
الجزائر في: 20 ماي 2020